الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

111

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

أخلّاي لو غير الحمام أصابكم * عتبت ولكن ما على الموت معتب إلّا أنّ استدراك ضدّ الشرط في الآية كان بذكر ما يساوي الضدّ : وهو تثبيط اللّه إيّاهم ، توفيرا لفائدة الاستدراك ببيان سبب الأمر المستدرك ، وجعل هذا السبب مفرّعا على علّته : وهي أنّ اللّه كره انبعاثهم ، فصيغ الاستدراك بذكر علّته اهتماما بها ، وتنبيها على أنّ عدم إرادتهم الخروج كان حرمانا من اللّه إيّاهم ، وعناية بالمسلمين فجاء الكلام بنسج بديع وحصل التأكيد مع فوائد زائدة . وكراهة اللّه انبعاثهم مفسّرة في الآية بعدها بقوله : لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ ما زادُوكُمْ إِلَّا خَبالًا [ التوبة : 47 ] . والانبعاث : مطاوع بعثه إذا أرسله . والتثبيط : إزالة العزم . وتثبيط اللّه إيّاهم : أن خلق فيهم الكسل وضعف العزيمة على الغزو . والقعود : مستعمل في ترك الغزو تشبيها للترك بالجلوس . والقول : الذي في وَقِيلَ اقْعُدُوا قول أمر التكوين : أي كوّن فيهم القعود عن الغزو . وزيادة قوله : مَعَ الْقاعِدِينَ مذمّة لهم : لأنّ القاعدين هم الذين شأنهم القعود عن الغزو ، وهم الضعفاء من صبيان ونساء كالعمي والزمنى . [ 47 ] [ سورة التوبة ( 9 ) : آية 47 ] لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ ما زادُوكُمْ إِلاَّ خَبالاً وَلَأَوْضَعُوا خِلالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ ( 47 ) استئناف بياني لجملة كَرِهَ اللَّهُ انْبِعاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ [ التوبة : 46 ] لبيان الحكمة من كراهية اللّه انبعاثهم ، وهي إرادة اللّه سلامة المسلمين من أضرار وجود هؤلاء بينهم ، لأنّهم كانوا يضمرون المكر للمسلمين فيخرجون مرغمين ، ولا فائدة في جيش يغزو بدون اعتقاد أنّه على الحقّ ، وتعدية فعل ( الخروج ) بفي شائعة في الخروج مع الجيش . والزيادة : التوفير . وحذف مفعول زادُوكُمْ لدلالة الخروج عليه ، أي ما زادوكم قوة أو شيئا ممّا تفيد زيادته في الغزو نصرا على العدوّ ، ثم استثني من المفعول المحذوف الخبال على طريقة